الشنقيطي
423
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
اللّه . فانقياد الجوارح في الظاهر بالعمل واللسان بالإقرار يكتفي به شرعا ، وإن كان القلب منطويا على الكفر . ولهذا ساغ إرادة الحقيقة اللغوية في قوله : وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ، لأن انقياد اللسان والجوارح في الظاهر إسلام لغوي مكتفى به شرعا عن التنقيب عن القلب . وكل انقياد واستسلام وإذعان يسمى إسلاما لغة . ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل العدوي مسلم الجاهلية : وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما استوت شدها * جميعا وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا إذا هي سقيت إلى بلدة * أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الريح تصرف حالا فحالا فالمراد بالإسلام في هذه الأبيات : الاستسلام والانقياد ، وإذا حمل الإسلام في قوله : وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أنقذنا واستسلمنا بالألسنة والجوارح . فلا إشكال في الآية . وعلى هذا القول فالأعراب المذكورون منافقون ، لأنهم مسلمون في الظاهر ، وهم كفار في الباطن . الوجه الثاني : أن المراد بنفي الإيمان في قوله : لَمْ تُؤْمِنُوا نفي كمال الإيمان ، لا نفيه من أصله . وعليه فلا إشكال أيضا ، لأنهم مسلمون مع أن إيمانهم غير تام ، وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص . وإنما استظهرنا الوجه الأول ، وهو أن المراد الإسلام معناه اللغوي دون الشرعي ، وأن الأعراب المذكورين كفار في الباطن وإن أسلموا في الظاهر ، لأن قوله جل وعلا : وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ يدل على ذلك دلالة كما ترى ، لأن قوله : يَدْخُلِ فعل في سياق النفي وهو من صيغ العموم كما أوضحناه مرارا ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود : ونحو لا شربت أو إن شربا * واتفقوا إن مصدر قد جلبا فقوله : وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ : في معنى لا دخول للإيمان في قلوبكم . والذين قالوا بالثاني . قالوا : إن المراد بنفي دخوله نفي كماله ، والأول أظهر كما ترى .